معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 556
فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (32) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ (34) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (36)
وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (38) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)
تمهيد:
اشتملت هذه الفقرة على مقتطفات مختزلات من قصّة حياة سليمان بن داود عليهما السّلام، وهي معطوفة على المقتطفات المختزلات من حياة أبيه داود، دون أن تستفتح بعبارة:"و اذكر"مثل أشباهها في السّورة، لأنّ حال سليمان كحال أبيه عليهما السّلام، فكلّ منهما قد آتاه اللّه الملك، وكلّ منهما قد خصّه اللّه بتسخير بعض ما خلق تسخيرا خاصّا، وكلّ منهما أوّاب كثير التوبة والرّجوع إلى اللّه، وكلّ منهما قد امتحن فوقع منه ما لا ينبغي أن يقع من مثله، وكلّ منهما أناب إلى ربّه مستغفرا تائبا فغفر اللّه له، وكلّ منهما قال اللّه عزّ وجلّ بشأنه:
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) .
إذن فالتذكير بقصة حياة سليمان نظير التذكير بقصّة حياة أبيه داود عليهما السّلام، من حيث الغرض من هذا التذكير الموجّه للرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم للتأسّي، واختيار ما يحبّ لنفسه من أحوال الرّسل عليهم السّلام، فكان مجرّد العطف هو المناسب، لتشابه مضمون القصّتين.
وفي عبارة: وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ ربط بقصّة داود، وتوطئة لذكر مقتطفات من قصّة سليمان تلائم الغرض من التذكير بهما.
إنّ الإنسان يحبّ الولد الوارث لأمجاده، إذ يشعر أنّه امتداد لبقائه، فيعوّض به عن رغبته في استمرار البقاء في هذه الحياة الدّنيا، ولو كان على يقين بأنّه سيخلد يوم الدين.