معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 279
هذا تعقيب ربّاني يدلّ بالكناية، لا بصريح اللفظ، على أنّ أمنيتيهم ترفضان، ولا يلتفت إليهما، فلا يأذن اللّه لأيّ شافع بأن يشفع لهم، ولا يمنحهم فرصة استئناف امتحانهم بالعودة إلى مثل الحياة الدنيا حياة الابتلاء.
قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ: إذ تسبّبوا لأنفسهم بأن يكونوا خالدين في عذاب جهنّم.
وهل يوجد خسران أشدّ من هذا الخسران، وهو خسران الأنفس؟
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ: ضلّ عنهم: أي: ضاع عنهم فلم يجدوا له أثرا. ما كانوا يفترون: أي: ما كانوا يختلفون من أكاذيب يفترونها على الواقع والحقيقة، وهي في الحقيقة من قبيل الافتراء على اللّه، لأنّها تتعلّق بخصائص ربوبيّته أو إلهيّته.
فالشركاء الذين كانوا يعبدونهم من دون اللّه ليجلبوا لهم نفعا أو يدفعوا عنهم ضرّا بما جعلوا لهم من بعض خصائص الرّبوبيّة، أو ليقرّبوهم إلى اللّه زلفى، أو ليشفعوا لهم عند ربّهم، قد ضلّوا عنهم فلم يجدوا لهم أثرا ما، أو لم يجدوا لهم شفاعة ولا تقريبا إلى ربّهم، بل زادتهم خيبة وخسرانا.
قال اللّه عزّ وجلّ:
[سورة الأعراف (7) : الآيات 54 إلى 58]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)