معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 12، ص: 723
والأنثى، والمفرد والمثنّى والجمع، فتعريف"العقب"بالذّرّيّة هو المناسب هنا، وهو الأخصر.
والضّمير في: وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ هي قوله لأبيه وقومه:
إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي وهذه العبارة ذات لوازم فكريّة، وفي مقدّمتها الإيمان بأنّ اللّه واحد أحد في ربوبيّته لكونه، وواحد أحد في إلهيّته لكونه، فلا ربّ في الوجود كلّه غيره، ولا إله في الوجود كلّه غيره، ثمّ إفراده تعالى في كلّ العبادات، وطاعته بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
ويفهم من جعل إبراهيم عليه السّلام هذه العبارة كلمة باقية في عقبه، أنّه وصّى بها وبلوازمها من كان حيّا من أولاده قبل موته، وأوصاهم أن يجعلوها وصيّة ينقلها خلف عن سلف، راجيا بهذه الوصيّة أن ترجع ذرّيّاته إلى تذكّرها جيلا بعد جيل، وأن يلتزموا بمضمونها، وأن تكون وسيلة تهدي إلى الرّجوع إلى مضمونها من خرج عن صراط اللّه إلى شيء من الشّركيّات، أو كبائر الإثم.
وبهذا انتهى تدبّر الدرس الخامس من دروس سورة (الزّخرف) .
والحمد للّه على معونته، ومدده، وتوفيقه، ومنّته، وفتحه.
قال اللّه عزّ وجلّ:
[سورة الزخرف (43) : الآيات 29 إلى 35]
بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (30) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (33)
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)