معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 456
أي: وبعد مدّة متراخية من الزّمن الّذي أهلكنا به قرونا كذّبت رسل ربّهم وكفروا بما جاءوهم به؛ أنشأنا أمما متعدّدة، وأرسلنا إليهم رسلا تترى متتابعين مع فواصل زمنيّة، فكان من شأن هذه الأمم أنّهم كلّما جاءت أمّة رسولها كذّبوه، فأهلكناهم متتابعين، وأتبعنا بعضهم في الإهلاك بعضا.
وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ: أي: ولم نبق أثرا لأجسادهم، فصاروا أحاديث تروى يتحدّث عنهم الرّواة الإخباريّون، دون أن يكون لهم وجود في الحياة.
فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (44) : أي: فطردا من حياة الابتلاء موجّها لقوم لا يؤمنون، أي: ليس لديهم استعداد لأن يؤمنوا ويستجيبوا لدعوة الحقّ، مهما أمهلوا، إذ بلغوا إلى دركة ميؤوس معها أن يؤمنوا عن طريق إراداتهم الحرّة.
وبهذا انتهى تدبّر الدّرس السّادس من دروس سورة (المؤمنون) .
والحمد للّه على معونته، ومدده، وتوفيقه، ومنّته، وفتحه.
قال اللّه عزّ وجلّ:
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 45 إلى 49]
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (45) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ (46) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49)