معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 11، ص: 699
قال اللّه عزّ وجلّ:
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) .
تمهيد:
من عناية اللّه بعباده الّذين يتولّون نافرين عن آيات اللّه في كتابه، الّذي أنزله هدى ورحمة، ليبيّن للنّاس الّذين وضعهم في الحياة الدّنيا موضع الامتحان سبيله المستقيم، الموصل لمن سلكه إلى السّعادة في جنّات النعيم خالدين فيها يوم الدّين، قدّم لهم في آيتي هذا الدّرس تنبيها على بعض آياته في كونه، الدّالّات على قدرته العظيمة، وحكمته البالغة، وإتقانه لكلّ شيء، وكثير من صفات ربوبيّته لكونه، وأنّه لم يخلق هذا الكون عبثا، وأنّه لا بدّ أن يكون قد خلق الناس ليبلوهم ويختبرهم في ظروف الحياة الدّنيا، أيّهم أحسن عملا، وأيّهم المسيء الّذي يقتضي العدل أن يجازى بحسب عمله، كما يقتضي الفضل أن يثاب المحسن على إحسانه، في حياة أخرى غير هذه الحياة الدّنيا.
فالحياة الأخرى، والدّار الآخرة، من الحقائق الّتي يدلّ عليها برهان العقل، إذا تفكّر من وهبه اللّه أداة التّفكير والفهم في الظّاهرات الكونيّة الدّالّات على اللّه الخالق الرّبّ العليم الحكيم القدير، الّذي أتقن كلّ شيء صنعا.