معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 357
قال اللّه عزّ وجلّ:
[سورة الأنبياء (21) : آية 91]
تمهيد:
في هذه الآية حديث مقتضب جدّا عن مريم عليها السّلام، وحملها بعيسى عليه السّلام، بخارقة للعادة دون معاشرة ذكر، إذ أرسل اللّه لها في خلوتها جبريل عليه السّلام، فنفخ في جيب صدرها نفخة أوصلها اللّه عزّ وجلّ إلى رحمها، وعقد فيه خليّة الجنين عيسى عليه السّلام آية من آيات اللّه للعالمين، وبهذه الخارقة للعادة اكتملت في خلق النّاس الآيات كلّها، إذ خلق اللّه آدم عليه السّلام من الطّين مباشرة من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حوّاء من ذكر دون أنثى، وخلق عيسى عليه السّلام من أنثى دون ذكر، وخلق ويخلق سائر النّاس ضمن نظام التّزاوج بين الذّكور والإناث.
وقد سبق تدبّر الآيات من (16 - 40) من سورة (مريم) بيان مفصّل بشأن مريم وحملها بعيسى عليه السّلام، مع تدبّر تكامليّ للنّصوص القرآنيّة المتعدّدة الواردة بشأنها في مختلف السّور، فليرجع إليه.
التّدبّر التحليلي:
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها: أي: وضع في ذاكرتك أيّها المتلقّي لكلام ربّك هذه اللّقطة من قصّة مريم الّتي صانت فرجها وحفظته من ارتكاب الفواحش والذّنوب، وهذه شهادة من اللّه لها بكمال عفّتها،