معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 383
أوّلا: تدبر ما يتعلّق بأبي لهب من السورة:
قال اللّه عزّ وجلّ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (2) سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ (3) .
عرفنا من سبب النّزول الذي رواه البخاريّ ومسلم عن ابن عباس، أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في أوائل العهد المكيّ لمّا أنذر عشيرته الأقربين عملا بما أمره اللّه به فيما أوحى إليه، وكان أبو لهب فيمن اجتمع إليه في هذه المرّة المتقدّمة، قال أبو لهب للرّسول:"تبّا لك، ما جمعتنا إلّا لهذا"وجاء في رواية أنّه قال:"تبّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟". ثمّ قام وانصرف.
فانتصر اللّه لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل السّورة صريحة بأبي لهب وزوجته، والحكم عليهما بالخسران، والعذاب الشديد في النار يوم الدين.
فعل:"تبّ"يدور حول معنى الخسران، وقد يدلّ على الهلاك.
يقال: تبّت يدا فلان، أي: خسرتا. وتبّ تبّا وتبابا، أي: خسر، أو هلك. والتّتبيب: النقص والخسارة، وتقول العرب في دعائها على إنسان بالخسران والهلاك: تبّا لفلان، بالنصب على المصدريّة من فعل محذوف.
"تبّ"فعل ماض والتّاء للتأنيث، والفاعل"يَدا أَبِي لَهَبٍ".
وما جاء في الآية حكم من اللّه وقضاء، لا يقتصر على خسارة يدي أبي لهب، في مقابل دعاء أبي لهب على الرّسول بأن تخسر يداه، فقد جاء فعل: وَتَبَ في آخر الآية الأولى، للحكم عليه كلّه بالخسران، ودلّ