فهرس الكتاب

الصفحة 1085 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 397

موضوع سورة التين يدور حول بيان الحكمة من خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهي ابتلاؤه الذي يستلزم منحه حرّيّة الإرادة وسائر شروط الامتحان الأمثل، وحرّية الإرادة لا بدّ أن يكون من آثارها تفاوت النّاس وتفاضلهم في اختياراتهم، من أرفع الدرجات ارتقاء، حتّى أخسّ الدّركات هبوطا.

وهذا الامتحان يستلزم حتما في حكمة الحكيم تحقيق نتائجه بثواب المرتقين بحسب درجات ارتقاءاتهم، وبعقاب الهابطين بحسب دركات انحطاطاتهم، وهذا هو الدّين، أي: الجزاء الّذي تقتضيه الحكمة.

والجزاء لا بدّ أن يسبقه الحساب وفصل القضاء، وبما أنّ تحقيق الجزاء الأمثل غير موجود في ظروف الحياة الدنيا، فلا بدّ أن تشتمل خطّة الحكيم العليم القدير على حياة أخرى يكون فيها تحقيق الإدانة، وتنفيذ الجزاء، ويوم الدّين هو اليوم المقرّر في خطّة التكوين، لتحقيق الغاية من الامتحان في ظروف الحياة الدنيا.

والأسلوب البيانيّ المختار الّذي جاء في هذه السّورة للدّلالة على عناصر هذا الموضوع، قد جاء أسلوبا عجيبا، بدأ بالقسم بمهابط الوحي الّذي تنزّل برسالات اللّه على نخبة من كبار أنبياء اللّه ورسله، ليبلّغوها للناس، أمّا المقسم عليه فهو خلق الإنسان في أحسن تقويم، الّذي كان من ظواهره منح الإنسان حرّيّة الإرادة الّتي هي مصغّر ضئيل يدلّ على أنّ اللّه الإرادة الحكيمة العظمى الّتي يختار اللّه بها كلّ أمر حكيم، ومنحه العلم والإدراك الّذي يعرف به موادّ امتحانه، وتمكينه من ظواهر القدرة الّتي يشعر معها أنّه ينفّذ بها ما يريد، ومنح نفسه عناصر الأهواء والشهوات والرغبات،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت