معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 79
إلى حالة ميؤوس منها، وعلم اللّه منه ذلك، حكم عليه بالضّلال، وهو ما زال في الحياة الدّنيا، ومن وصل إلى حالة ميؤوس منها لانطماس بصيرته، فلا سبيل إلى هدايته بأيّ وسيلة إقناعيّة أو ترغيبيّة أو ترهيبيّة، ولا يوجد أحد بعد اللّه يحكم له بالهداية، إن الحكم إلّا للّه.
ونفهم أيضا أنّ الّذين وصلوا إلى هذه الحالة الميؤوس منها، ولم يبلغ تواطؤهم على الإفساد في الأرض مبلغا تقتضي الحكمة الرّبّانيّة معه أن يهلكهم إهلاكا جماعيّا، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يتركهم حينئذ يتخبّطون متحيّرين في ظلمات أهوائهم وشهواتهم وضلالاتهم، ويسيرون كالعميان لا يعرفون سبيلا يوصلهم إلى سعادتهم الحقيقيّة.
*** قول اللّه عزّ وجل:
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)
يخاطب اللّه عزّ وجلّ الرسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلم بهاتين الآيتين، فيعلّمه فيهما كيف يجيب السّائلين عن وقت قيام الساعة، وعن أمور من الغيب لم يعلمه اللّه بها، وعن حدود قدرته فيما يخصّ ذاته فضلا عمّا يتعلّق بغيره.
وقد اشتمل هذا النصّ على أوّل بيان قرآنيّ بشأن سؤال المشركين عن السّاعة، أي: عن وقت حدوث السّاعة الموعود بها.
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ: أطلق لفظ"السّاعة"في القرآن على وقت إنهاء ظروف هذه الحياة الدّنيا وأحداثها. وأطلق على وقت بعث الناس من