معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 293
الحكمة من إخفاء ليلة القدر:
ويلاحظ أنّ الحكمة من إخفاء ليلة القدر، أنّه أسلوب من أساليب التشويق إلى الاجتهاد في العمل الصالح لاغتنام الأجر العظيم، فمن طبائع الناس تتبّع الاحتمالات المحصورة في عدد معيّن، للظفر بالرّبح العظيم المنوط بواحد منها يجهلون تعيينه، فمن أحصاها كلّها منهم استيقن من الظفر بالمطلوب، وبذلك تندفع نفوسهم إلى إحصائها.
والناس مفطورون أيضا على محبّة الأسرار، والرّغبة في البحث عنها، والمحافظة عليها بعد الوصول إليها.
ومن حكم إخفاء ليلة القدر في العشر الأواخر من ليالي رمضان، تمييز أهل الحرص على التماس مظانّ فضل اللّه العظيم، بالتحرّي والاجتهاد في العبادة، خلال مدّة زمنيّة أطول من المدّة الّتي تتنزّل فيها خصائص الخيرات الرّبّانيّة الحسان.
فعلى المؤمن العابد الحريص على اغتنام الفضل الرّبّاني العظيم، أن يجتهد في ضبط نفسه على العبادات والطّاعات طوال ليالي شهر رمضان، ثمّ يضاعف اجتهاده في العشر الأواخر منه، وأن يزيد من حرصه وحسن عبادته في آحاد ليالي هذا العشر، رغبة في أن يظفر بها، ويغتنم خيراتها، ولو لم يشعر بأماراتها؛ إذ لا يشترط ذلك للظفر باغتنام خيراتها.
* قول اللّه عزّ وجلّ:
وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) :
وَما أَدْراكَ؟! أي: وأيّ شيء أعلمك؟ فلفظ"ما"اسم استفهام، يستفهم به عن حقيقة الشيء وماهيّته. وهي جملة مؤلفة من مبتدأ وخبر:
"ما"مبتدأ، وجملة"أدراك"في محلّ رفع على أنّها خبر. والواو استئنافية ولا يظهر فيها أنّها عاطفة.