معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 380
وفي الإشارة إلى أنّ هذا الفوز فوز رفيع المنزلة عظيم، اختير في النّصّ الإشارة إليه باسم الإشارة الذي يستعمل للبعيد، والمراد هنا بعد منزلته في جهة الارتفاع، فقال اللّه عزّ وجلّ:
ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) :
أي: فهو عالي المنزلة جدّا، وهو الكبير أيضا، فجمع هذا الفوز وصفين جليلين: علوّ المنزلة، وكبر الذّات وعظمها.
هذا الفوز الكبير أعدّه اللّه عزّ وجلّ للّذين آمنوا وعملوا الصّالحات، فجمعوا بين الإيمان القلبيّ الصادق الصحيح، وبين العمل الصالح، وقد دلّت النصوص المختلفة على أنّ العمل الصّالح هو المظهر السّلوكي السّويّ للإيمان المستقرّ في القلب.
(7) التدبّر التحليليّ للدّرس الثالث من دروس السورة وهو الآيات من (12 - 16)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (13) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (16)
قال اللّه عزّ وجلّ:
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (16) .
* قرأ جمهور القرّاء العشرة: [المجيد] بالرّفع صفة للّه عزّ وجلّ، الذي هو الغفور الودود ذو العرش.
وقرأ حمزة، والكسائيّ، وخلف: [المجيد] بالجرّ، صفة للعرش.
وبين القراءتين تكامل في أداء المعنى المراد، فاللّه هو المجيد، والعرش مخلوق مجيد عظيم من مخلوقات اللّه العظمى.