معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 356
تأليفا متلائما، أمكنه أن يمدّ من شريط المشهد الطّويل، ما يحسن به التأليف التّتابعيّ بين اللّقطات المعروضات في الإراءات المتعدّدات الموزّعات في السّور.
عندئذ يراها متكاملات غير متناقضات ولا متعارضات. وهذا الأسلوب القرآنيّ هو من عناصر العمق فيه، ومن عناصر الإعجاز البديع، إذ هو كتاب حقّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
ولعلّنا بهذا نستطيع أن نفهم معنى وصف القرآن بأنّه مثاني، في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الزّمر/ 39 مصحف/ 59 نزول) :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (23) .
وبهذا ننتهي من تدبّر الدرس الثاني على قدر الاستطاعة من دروس سورة القمر، والحمد للّه على فتحه وتوفيقه.
تمهيد:
هذا الدرس يشتمل على الإقناع بقانون الجزاء الرّبّاني، والإنذار به، عن طريق عرض أمثلة تاريخيّة، من عقوبات اللّه العظمى، بالإهلال العامّ الشّامل، لأقوام من كبار مجرمي الأمم السابقة. الذين كذّبوا رسل ربّهم، وكذّبوا بالنّذر الّتي أنذروهم بها تبليغا عن اللّه ربّهم جلّ جلاله وعظم سلطانه.