معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 673
كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)
* (كلا) في المواضع الثلاثة أداة ردع وزجر. والمراد ردع وزجر المخاطبين الذين ألهاهم التكاثر عن تلهّيهم الذي يصرفهم عن السّعي لسعادتهم في أخراهم.
* سَوْفَ تَعْلَمُونَ: سوف: حرف استقبال مثل"السّين"في نحو:
"ستعلمون"ويعجبني قول من قال من علماء العربيّة: إنّ"سوف"أوسع استقبالا من"السّين"فقد نظرت في استعمالات"سوف"في القرآن فرأيت معظم الزّمن الّذي تشير إليه ما يكون يوم الدّين، أو فيها إشعار بعدم إرادة تقريب زمن وقوع الفعل الّذي دخلت عليه، أمّا"السّين"الاستقبالية فمعظم استعمالاتها قد جاءت في القرآن لما هو موعود الوقوع في الحياة الدنيا، أو لما هو قريب الوقوع فيها، أو لما هو منزّل منزلة قريب الوقوع للتخويف والمبالغة في التحذير، ولو كان وقوعه مؤجّلا إلى ما بعد الموت.
فالمعنى هنا: سوف تعلمون بعد انتهاء رحلة الحياة الدنيا أنّ ما كنتم فيه من التّلهّي بالتّكاثر قد كان ضدّ مصلحتكم، إذ قد جنى عليكم خيبة وخسرانا عظيما، وعذابا أليما، دون أن تظفروا من دنياكم بما فيه سعادة لكم، في عاجل أمركم وآجله.
* ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) دلّ حرف العطف"ثمّ"الذي يدلّ بوضعه اللّغوي على التّرتيب مع التراخي على أنّ حصول العلم الذي جاء بيانه في الآية الرابعة، غير العلم الّذي جاء بيانه في الآية الثالثة من السورة، فهما علمان، فما هما هذان العلمان؟ وكيف يحصلان؟ وهل بعدهما علم ثالث؟
مراتب العلم الثلاث وأدلتها:
لدى تتبّع النّصوص من القرآن والسّنّة يتبيّن لنا أنّ منكري عذاب النار