معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 87
إنّه جلّ جلاله أحد صمد، أمّا ما سوى اللّه سبحانه، فهو خلق من خلقه، لا أحديّة له ولا صمديّة، ولا يملك لنفسه ولا لغيره من دون تمكين اللّه وإذنه وتسخيره نفعا ولا ضرّا، ولا شيء ممّا سوى اللّه له من ذاته لذاته البقاء الأبديّ، لكنّ اللّه الأزليّ الأبديّ هو الذي إذا شاء أمدّ ما شاء ومن شاء بالبقاء بأمره التكويني، ولا رادّ لأمره، ولا لقضائه وقدره وحكمه، جلّ جلاله، وتبارك سلطانه، وعظم شأنه.
لم تتضمّن سورة الإخلاص الدليل على أحديّة الخالق الرّب جلّ جلاله، المعروف باسم"اللّه"ولم تتضمّن الدليل على صمديّته، ولا الدليل على أنّه لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، بل جاءت البيانات فيها بأسلوب تقريريّ للأحكام التي تضمنتها جملها.
والسّبب في هذا أنّ المرحلة الّتي نزلت فيها السّورة مرحلة استفسار عن نسب الخالق الرّبّ الذي يدعو محمّد إلى عبادته وحده، وإلى نبذ عبادة كلّ المعبودات من دونه، وقد جاء هذا الاستفسار على لسان بعض المشركين، وهو يقتضي بيان الجواب بطريقة تقريريّة خبريّة، لا بطريقة استدلاليّة.
وحين ينكر منكر ما جاء في هذا التقرير، أو يناقش مناقش فيه، تدعو الحاجة إلى بيان الدّليل، وإقامة الحجّة، على مقدار ما تدعو إليه الحاجة.
ولمّا كان سؤال المشركين مقتصرا على طلب التعريف بنسب الرّبّ الّذي يدعو الرّسول إلى الإيمان بأنّه لا ربّ غيره، ولا معبود بحقّ سواه، وهذا السؤال يستلزم أنّهم يتوهّمون أنّ له أصولا انحدر هو منها، ويتوهّمون