معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 172
[سورة البلد (90) : الآيات 18 إلى 20]
أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)
(20) -* قرأ أبو عمرو، وحفص، وحمزة، ويعقوب، وخلف: مُؤْصَدَةٌ بتحقيق الهمزة السّاكنة بعد الميم، من فعل: أأصد الباب يؤصده، أي: أغلقه، وقرأ باقي القراء العشرة: [موصدة] من فعل أوصد الباب يوصده أي أغلقه.
فالقراءتان وجهان عربيان، والمعنى واحد.
يدور موضوع سورة"البلد"حول"الابتلاء"الذي هو الغاية من خلق الإنسان، والذي يستتبع باللّزوم العقلي التكليف، والمراقبة طوال مدّة الابتلاء، ثم المحاسبة، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء.
وجاءت هذه السّورة بأسلوب غاية في الإيجاز، إلى حدّ شبيه بالطريقة الرمزيّة وليس منها، إذ يعتمد على اللوازم الفكرية الدّقيقة جدّا، الّتي تستدعيها ظاهرة كون الإنسان مخلوقا في كبد، أي: في ظروف لا تنال معايشه فيها إلّا بمشقة وشدّة وضيق وكدح وكدّ ونصب، وكأن المقصود بالخطاب بها أذكياء المتدبّرين والفلاسفة.
وهذه السورة تتابع استكمال الإقناع بقانون الجزاء الرّبّاني، الذي دار حوله موضوع سورة (ق) وموضوع سورة (المرسلات) قبلها، وموضوع سورة (القيامة) وسور أخرى سبق نزولها.
إلّا أنّ سورة (البلد) تنبّه على فكرة فلسفيّة عميقة الدلالة، دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ فيها: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (4) .
هنا يتساءل المتفكر المتدبّر: لماذا خلق اللّه العليم القدير الحكيم