فهرس الكتاب

الصفحة 4660 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 367

يدرك المتدبّر بأناة وتعمّق فكري، أنّ الموضوع الأساس لسورة (مريم) متابعة معالجة كفّار مكّة ومن حولهم من المشركين في قضايا فكريّة اعتقاديّة، لتصحيح اعتقاداتم بشأنها، أو إقامة الحجّة عليهم، وقطع أعذارهم، إذا أصرّوا على كفرهم معاندين، ولتردّ على طائفة من مقولاتهم، الّتي يتّخذونها ذرائع لتحسين موقعهم المعاند للحقّ.

والموضوع الذي تدور في فلكه هذه القضايا الفكريّة الاعتقاديّة، يتعلّق بمتابعة معالجة منكري البعث ليوم الدين، ويتضمّن الرّدّ على بعض أقوالهم الّتي قالوها، متذرّعين بها لتحسين إصرارهم على مواقفهم العنادية، وبيان الدافع الّذي يدفع المشركين لاتّخاذ آلهة من دون اللّه عزّ وجلّ، وهو اعتقادهم أنّ آلهتهم تكون لهم عزّا، وبيان أنّ الكافرين تؤزّهم شياطينهم أزّا، أي تغريهم وتهيّجهم وتهزّهم وتحرّكهم تحريكا شديدا، من مغامز شهواتهم ومصالحهم، ومثيرات غضبهم.

ولكن اقتضى الإبداع التربويّ الحكيم، أن يبدأ اللّه عزّ وجلّ السورة بالتّمهيد لهذه المعالجة الممثّلة لموضوعها، والذي هو الموضوع الأساس فيها، بعرض لقطات من قصص الأنبياء السّابقين، الذين جاهدوا في سبيل اللّه مجاهدات دعويّة مضنية، وقد كان لمجاهداتهم آثار نافعة في الأمم السالفة، إذ كان لهم أتباع مؤمنون متّقون على اختلاف درجاتهم في التقوى والعمل الصالح، ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتّبعوا الشهوات، ولم يصونوا نصوص الكتاب الرّبّانيّة المنزلة على رسلهم، فجاءت الدّعوة الإسلاميّة المحمّديّة الخاتمة، حاملة رسالة اللّه للناس أجمعين، انطلاقا من بيئة العرب الوثنيّين، ومن كان يساكنهم في أرضهم من اليهود والنصارى، ومن كان قد تنصّر أو تهوّد من العرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت