معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 368
وقد أخذ عرض هذه القصص التّمهيديّة (63 آية) من السورة، وجاءت بعدها الآية (64) تفاجئ بانتقال من عرض القصص، إلى حكاية بيان ذكره جبريل عليه السّلام للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، أبان له فيه أنّه وسائر الرّسل من الملائكة لا يتنزّلون من مواقعهم في السّماء، إلّا بأمر من الرّبّ جلّ جلاله، وأنّ له الأمر كلّه فيما سبق وفي الحاضر، وفيما سيأتي.
فقال اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية المفاجئة، حكاية لمقالة جبريل للرّسول محمّد، الّتي أمره اللّه بأن يقولها له:
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا. (64)
بدأت هذه الآية بالعطف بحرف العطف"الواو"لكنّنا لا نجد في سوابق هذه الآية ما يلائم العطف عليه، بحسب الدواعي البلاغيّة.
والّذي يظهر لي أنّ العطف هذا ينبئ عن معطوف عليه محذوف، جاء بيانه فيما روى البخاريّ والترمذيّ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال لجبريل عليه السّلام:
"ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا"؟
فنزلت: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ... الآية.
أي: نعم، تأخّرت بأمر ربك، ونحن رسل ربّك من الملائكة ما نتنزّل على أحد من الناس، وما نتنزّل لأمر من الأمور إلّا بأمر ربّك.
فأنزل اللّه عزّ وجلّ في السورة بيان جواب جبريل الأخير، وبدأه بحرف العطف"الواو"إشعارا بأنّه القسم الّذي تقتضي الحكمة إثباته قرآنا يتلى من الحوار.
وبعد هذه الآية الفاصلة تتابعت الآيات حول موضوع السورة الأساس.