معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 300
أي: في هذه اللّيلة المباركة ليلة القدر الّتي أنزل فيها القرآن، يفصل من اللّوح المحفوظ كلّ أمر حكيم- وكلّ أوامر اللّه حكيمة- من أوامر قضاء اللّه وقدره المحكم، الّذي لا محو فيه، ممّا يتعلّق بتدبير اللّه لأحداث السّنة القادمة، حتّى ليلة القدر التالية.
وإنّما يتمّ هذا الفصل الذي جاء التعبير عنه بالفرق، من جملة المكتوبات في اللّوح المحفوظ، بأمر من عند اللّه عزّ وجلّ.
وإذ نلاحظ هذا الحدث العظيم من أحداث هذه اللّيلة المباركة، فلا بدّ أن نلاحظ معه أنّ وظائف وأعمالا جليلة تتعلّق بالملأ الأعلى من الملائكة مقترنة به، وهي أنّهم يحملون أوامر اللّه الحكيمة المحكمة، الّتي فرقت من اللّوح المحفوظ، وينزلون بها، ليبلّغوها إلى الذين يكلّفون تنفيذها من ملائكة الأرض.
ومع قيام الملائكة بوظائفهم وأعمالهم الّتي يكلّفونها من كلّ أمر من أوامر تدبير اللّه لخلقه، لدى تنزّلهم إلى الأرض في ليلة القدر، لا بدّ أن نضع في تصوّرنا أنّ ملائكة السماء يشاركون المؤمنين المسلمين في مواسم الخير، وأنّ مهرجانات العبادة للّه عزّ وجلّ مهرجانات تعمّ أهل السّماوات والأرض، ولو لم يشعر المؤمنون من الإنس بمشاركة الملائكة لهم في مواسم الخير، إلّا أنّهم يؤمنون بذلك تصديقا لما ثبت لديهم من أخبار عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم.
ولا يكون بمعزل عن هذا المهرجان العظيم إلّا الكافرون، والعصاة المعاندون المجرمون، والشياطين، فهم المحرومون من بركات مواسم الخير، وخيراتها الرّبانيّة العظيمة.
* قول اللّه عزّ وجلّ:
سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) .
وصف اللّه جلّ جلاله هذه اللّيلة المباركة ليلة القدر بأنّها سلام، وفي