فهرس الكتاب

الصفحة 1218 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 534

أنّ كلّ وجوده منحصر في هذه الحياة الّتي يعيش ظروفها، فهي فرصته الوحيدة للاستمتاع، وانتهاب اللّذات، وتحقيق الشهوات، وهو يرى أنّ وسيلته إلى ذلك ما جمع من مال وعدّده، وأعدّه لتحقيق هذه الغاية، ويرى أنّ بقاءه طوال حياته في متاع الحياة الدنيا هو الخلود الّذي تطمح نفسه إليه، وتنحصر فيه.

والكافر الهمزة اللّمزة المغتاب النّمّام العيّاب الذي لا يؤمن باللّه وعدله وجليل حكمته، ولا يؤمن باليوم الآخر الّذي يكون فيه الحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء، يتوهّم توهّمات لا قيمة لها في موازين الفكر السّليم، منها أنّ ماله الذي يجمعه، هو إكسير بقائه عزيزا منعّما ذا مكانة رفيعة بين الناس، وهو الوسيلة الّتي يدفع بها عن نفسه الضّرّ، وهو الوسيلة التي يجلب بها لنفسه النّفع وما يشتهي وما يريد، حتّى آخر لحظة من حياته، وهو الوسيلة لاغتنام سعادته في فرصة وجوده الوحيدة في الدّهر.

بكلّ هذه التوهّمات الباطلات، يحسب أنّ ماله أخلده فيما مضى عزيزا قويّا ذا مكانة اجتماعيّة رفيعة، وهو يبقيه كذلك في أيّام عمره الآتيات في المستقبل، فهو يقيس مستقبله على ماضيه.

* قول اللّه عزّ وجلّ:

كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) .

كَلَّا كلمة ردع وزجر، وهي هنا لردع الهمزة اللّمزة.

لَيُنْبَذَنَ: اللّام واقعة في جواب قسم منويّ، كما قال الخليل في مثل هذا الاستعمال، فالفعل مؤكّد بقسم مقدّر، وبنون التوكيد الثقيلة.

"ينبذنّ": أي: يطرحنّ مزهودا فيه. أصل النّبذ طرح الشيء وإلقاؤه، مع زهد فيه، أو مع إهانة واحتقار له. وإذا أراد النابذ صرف الشيء الذي ينبذه عن بصره، نبذه وراء ظهره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت