معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 533
لكن الفعل الماضي من مادّة"الخلود"لا يدلّ إلّا على البقاء حتّى لحظة الحاضر، ولا يتعرّض للخلود الأبديّ، ولا للخلود النّسبيّ.
فاستعمال الفعل الماضي؛"أخلده". بقول اللّه عزّ وجلّ في وصف المذموم المهدّد بالوعيد الهمزة اللّمزة: يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (3) قد دلّ على أنّه يحسب مع كلّ زمن يتجدّد له في الحياة أنّ ماله هو الّذي أبقاه فيما مضى حتّى لحظة الحاضر عزيزا في قومه، مكفيّ الحاجات، ذا مكانة اجتماعيّة رفيعة، له فيها أمر ونهي وسلطان، ولا يدلّ على معنى البقاء الدائم مستقبلا، إذ لم تأت العبارة في النّصّ: يحسب أنّ ماله يخلده، حتّى يكون فيها إشكال بأنّ أحدا من النّاس لا يتصوّر الخلود بلا نهاية في الحياة الدنيا، ولو كان من الكافرين باللّه وبرسله وبكتبه وباليوم الآخر.
ولكن نسأل هنا: كيف يحسب الكافر أنّ ماله هو الّذي أبقاه فيما مضى حتّى لحظة الحاضر؟
وأقول: باستطاعة المتأمّل أن يدرك أنّ الكافر يحسب أنّ ماله هو الّذي أبقاه فيما مضى، حتّى لحظة الحاضر عزيزا في قومه، مكفيّ الحاجات والمؤن، ذا مكانة اجتماعيّة رفيعة، له فيها أمر ونهي وسلطان، ولو لا ماله لما بقيت له هذه العزّة والقوّة والمكانة الاجتماعيّة الرّفيعة.
هذا التوهّم الباطل يسيطر على نفوس معظم أصحاب الغنى والثّراء، إذ ينسون أنّ اللّه هو الّذي منحهم العزّة والقوّة والمكانة الاجتماعيّة الرّفيعة في أقوامهم، وربما كان المال من الأسباب الظاهرة، ولو شاء اللّه لسلبهم أموالهم وعزّتهم وقوّتهم الاجتماعيّة الرفيعة، فهو جلّ جلاله مالك الملك، يعزّ بحكمته لابتلاء عباده من يشاء، ويذلّ من يشاء، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير.
والكافر بيوم الدين لا يتطلّع إلّا إلى متاعه من الحياة الدّنيا، إذ يرى