فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 538
وصف اللّه عزّ وجلّ نار جهنّم يوم الدّين، بأنّها تطّلع على الأفئدة، فما المراد بهذه العبارة؟
اطّلع على الشيء: أي: أشرف عليه ناظرا إليه.
يمكن أن نفهم من هذا الوصف أنّ مسّ عذاب النّار لا يقتصر على الجلود، الّتي كلّما نضجت خلق اللّه للمعذّبين بها جلودا غيرها، ليتجدّد إحساسهم بعذاب الحريق، وإنّما ينفذ حرّها إلى أفئدتهم أيضا كما ينفذ بصر الرّائي إلى الشّيء الّذي يطّلع عليه.
شبّه وصول حرّ النّار إلى الشيء، بوصول نظر المطّلع على الشّيء، فاستعير فعل تَطَّلِعُ للدّلالة على وصول حرّ النّار إلى أفئدة المعذّبين فيها بشكل متجدّد، على مثل إدراك النّظر الّذي يحيط بالمنظور إليه.
وقد يكون المراد أنّ النّار تطّلع على الأفئدة الّتي هي محلّ النّيّات والمقاصد، ومنابع الكبر والعجب والكفر ورغبات الفجور، فتعطي من قوّة تعذيبها وشدّته ما يناسب ما في الأفئدة ممّا يستحقّ العذاب كمّا وكيفا، وقد يدلّ هذا على أنّ ما كان في الأفئدة في الدّنيا من ذلك يبقى فيها مسجّلا كما كان تماما، وهو يشبه ما يسمّى بالصّندوق الأسود في الطّائرات إذا تحطّمت، يسجّل فيه ما جرى فيها قبل التّحطيم.
قول اللّه عزّ وجل:
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) وفي القراءة المتوارة الأخرى"موصدة"وهما وجهان لنطق الكلمة في العربيّة.
وصف اللّه عزّ وجلّ"الحطمة"التي هي نار اللّه الموقدة، بأنّها على كلّ همزة لمزة كافر باللّه واليوم الآخر مؤصدة، أي: مغلقة الأبواب، مقفلة، فلا يستطيعون الخروج منها.