معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 652
ظاهر أنّ موضوع سورة (الكوثر) هو الامتنان من اللّه عزّ وجلّ على رسوله بما أعطاه من خير كثير جدّا، وتكليفه أن يعبد ربّه وحده لا شريك له في صلاته ونسكه، والدفاع عنه ضدّ بعض مقالات شانئيه فيه، ضمن سلسلة قذائفهم الإعلاميّة.
يرى مشركو مكة وغيرهم من العرب أنّ الرجل الذي لا يبقى له من صلبه ولد ذكر هو أبتر، أي: هو مقطوع الأثر من الخير.
وقد أطلق بعض المشركين ومنهم أبو جهل والعاص بن وائل السّهميّ على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه أبتر لمّا مات ولده القاسم، ثمّ ولده عبد اللّه، وكان لهذه القذيفة الإعلاميّة أثر غير حسن في نفس الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزلت سورة (الكوثر) تبيّن له ولمطلقي المقالة المشعرة بعدم عناية اللّه به، أنّ اللّه عزّ وجلّ معتن به عناية عظيمة جدّا، وأنّه قد تفضّل عليه بخير كثير جدّا أعظم من إبقاء ولد ذكر له يبلغ مبلغ الرجال، وهذا يتضمّن أنّ الحكمة الرّبّانيّة اقتضت أن يجعله اللّه منجبا للذكور، واقتضت أن لا يبقي له ولدا ذكرا يظلّ حيّا حتّى يبلغ مبلغ الرجال.
ومن هذا الخير الكثير الذي أعطاه اللّه لرسوله نهر في الجنّة حافّتاه من ذهب، وعلى جانبيه قباب اللّؤلؤ المجوّف كما جاء في بعض الروايات، وهو يجري على الدرّ والياقوت والمرجان واللّؤلؤ، وتربته أطيب من ريح المسك الأذفر، وماؤه أشدّ بياضا من اللّبن، وأحلى من العسل، وهذا النّهر يمدّ الحوض الذي خصّ اللّه به رسوله في موقف الحشر، ومن شرب من هذا الحوض فإنّه لا يظمأ بعد ذلك أبدا.
ومن هذا الخير الكثير النّبوّة العظيمة، والرسالة الخاتمة، والقرآن