معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 180
قول اللّه عزّ وجلّ:
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195)
في هذا النّصّ ذكر اللّه عزّ وجلّ أوثان المشركين بالتعبيرات التي يذكر بها الأحياء العقلاء مسايرة لعبّادها، ولولا هذه المسايرة لكان الحديث عنها كما يلي: ألها أرجل تمشي بها، أم لها أيد تبطش بها، أم لها أعين تبصر بها، أم لها آذان تسمع بها.
*** تاسع عشر:
بيان استحالة حدوث الشيء بتعليق حدوثه على حدوث أمر آخر معلوم الاستحالة بداهة بالعقل، أو بحسب نظام الكون، ومنه قول اللّه عزّ وجلّ بشأن الّذين كذّبوا بآيات اللّه المنزّلات، فلم يتّبعوا ما جاء فيها:
وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ... (140) .
وبما أنّ الجمل الّذي هو الحيوان المعروف لا يمكن أن يدخل مع بقائه على صفاته المعروفة، في ثقب الإبرة المعروفة مع بقائها على وصفها ومقدار ثقبها، فلا يمكن أن يدخل هؤلاء الجنّة.
وهذا من الكنايات البديعة، المنتزعة من صورة متخيّلة مستحيلة الوقوع بين أمرين حسّيّين.
وهذا الأسلوب البيانيّ من قبيل قول القائل لقطع آمال طامع في أمر ما: نجوم السّماء أقرب لك، أي: لن يتحقّق ما تطمع فيه.