معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 139
ودلّت عبارة: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ على أن الأمر بالاستماع والإنصات أمر ندب مقرون بترغيب عظيم، إذ لو كان الأمر للإيجاب، والتكليف الإلزاميّ، لكان المناسب أن يقال: لعلكم تتّقون، أي: لتتّقوا عقوبة المخالفة. أمّا عبارة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فمعناها: لتثابوا ثواب الطاعة.
وهذا شأن كلّ المندوبات.
*** قول اللّه تعالى:
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)
جاء في هاتين الآيتين أمر من اللّه لرسوله ولسائر المؤمنين المسلمين، على اختلاف مراتبهم ودرجاتهم ووظائفهم الدّينيّة والدّنيويّة، للمواظبة على ذكر اللّه عزّ وجلّ، مع بيان آداب هذا الذكر.
وجاء هذا التكليف بأسلوب الخطاب الإفراديّ الموجّه لكلّ فرد ففرد حتّى آخر الأفراد في كلّ العصور إلى أن تقوم السّاعة، ومعلوم أنّ ذكر اللّه من أجلّ أنواع عبادته.
والغرض من هذا الأمر بالمواظبة على ذكر اللّه، أن يتخلّص المؤمنون المسلمون، من الصّفة الذّميمة الّتي قال اللّه فيها للناس في أوائل سورة (الأعراف) : قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ.
إذ المواظبة على ذكر اللّه تجعل الذّاكرين يتذكّرون ما فرض اللّه عليهم أن يعملوه، وما حرّم عليهم أن يقترفوه، وهذا التذكّر يجعلهم أكثر التزاما باتّباع ما أنزل إليهم من ربهم.