معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 138
وبيانا لهذه الخطّة الشيطانيّة الخبيثة، التي يراد بها الصّرف عن الحقّ، والصّدّ عن سبيل اللّه، قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (فصّلت/ 41 مصحف/ 61 نزول) :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) :
أي: لا تعرّضوا أنفسكم لاستماع القرآن من محمّد، أو من أحد المسلمين، وإذا تلي عليكم وأنتم شهود فالغوا فيه، ولا تنصتوا، تشويشا على التالي، حتّى لا يتأثّر به المستمعون له، فتجلبوا إلى صفوفكم من يمكن أن يستميله القرآن، فتكثر أعدادكم، فتغلبوا أتباع محمّد بكثرتكم.
فمن الحكمة الرّبّانيّة أن يأمر اللّه عزّ وجلّ عموم المؤمنين بأن يستمعوا للقرآن، وبأن ينصتوا لدى تلاوته، كلّما تلي في آيّة حالة من الأحوال، داخل الصّلاة وخارجها ليكون ذلك وسيلة لتدبّر معانيه، وتذكّرها عند المناسبات الداعيات إلى تذكّرها، وقصر النّصّ على حالة الصّلاة لا دليل عليه، وربط هذه الآية بقول اللّه عزّ وجلّ في صدر السّورة بشأن القرآن: وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي: وليكون القرآن تذكرة للمؤمنين يدلّ على أنّ الأمر التّرغيبيّ بالاستماع للقرآن والإنصات عند تلاوته عامّ في كلّ الأحوال.
الذّكرى: اسم للتذكير، واسم يطلق على ما يوضع للتذكّر، كالبطاقة المذكّرة، والرّتيمة التي توضع في الإصبع لتذكّر.
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: أي: اسمعوا وأنصتوا إذا قرئ القرآن راجين أن ترحموا، أو لأجل أن ترحموا.
إنّ الاستماع والإنصات لقراءة القرآن، وسيلة من الوسائل الداعية إلى تدبّر آياته، وتذكّرها عند مناسباتها، والعمل بها، فإذا تحقّق منكم ذلك رحمكم اللّه، فأدخلكم في رحمته الواسعة في الدنيا، وأدخلكم في جنّته يوم الدّين، الّتي هي إحدى مظاهر وآثار رحمته العظمى الخالدة.