معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 215
يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) .
وهذه اللّقطات الارتباطيّة في السّورة، مع تباعد الفواصل بينها، ممّا يدلّ على وحدة موضوعها.
وفي هذه المعالجة الرّبّانيّة لنفس الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بشأن اتّهامه بأنّه شاعر، وبشأن اتّهام القرآن بأنّه لون من ألوان الشعر، وهذا أمر قد أحزنه، قال اللّه له: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ.
وأبان اللّه عزّ وجلّ له ما يهوّن عليه الأمر، ويجعله لا يحزن لما يقولون، فقال له: ... إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (76) .
أي: إنّ اللّه الخالق بعظمة ربوبيّته، والّذي بيده مقاليد السّماوات والأرض، والقادر على قطع ألسنتهم وأعناقهم بكلمة:"كن"لم يعاجلهم بالعقوبة، إذ قضت حكمته إمهالهم، والحلم والصّبر عليهم، فارض لنفسك ما رضيه ربّك لنفسه.
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ: أي: فلا تجعل لقولهم تأثيرا عليك، فيجدّد لديك الحزن آنا فآنا، بل اصرف عن ذهنك ونفسك أقوالهم، ولا تعبأ بها، واعلم بأنّ ربّك النّصير لك يعلم كلّ ما يسرّون، وكلّ ما يعلنون.
علاج ربّاني عظيم، لا يدع في نفس الرّسول حزنا بشأن هذا القول من أقوال قادة المشركين.
قال اللّه عزّ وجل:
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا