معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 244
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (30) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (31) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (32)
يتلاومون: أي: يلوم بعضهم بعضا.
يا ويلنا: الويل في اللّغة يأتي بمعنى الحزن، والهلاك، والمشقة من العذاب. قال ابن سيده:"ويل كلمة عذاب". والويلة: البليّة والفضيحة.
وفي النّدبة يقول القائل المفرد: يا ويلتا، يا ويلتاه، واويلتاه، ويقول الجماعة: يا ويلنا. تعبيرا عن الحزن والألم ممّا نزل من مصاب.
إنّا كنّا طاغين: الطّغيان تجاوز الحدّ في الظّلم، وهذا اعتراف منهم بعزمهم على ارتكاب ظلم عظيم.
عسى ربّنا: عبارة ترجّ ودعاء للّه عزّ وجلّ.
أن يبدلنا: فيها كما سبق قراءتان: أَنْ يُبْدِلَنا من فعل"أبدل"المهموز و (أَنْ يُبْدِلَنا) من فعل"بدّل"المضعّف، والهمز أخو التضعيف عند علماء العربيّة، فالقراءتان متطابقتان متكافئتان.
خيرا منها: أي: أفضل من جنّتنا المهلكة، وهذا منهم حسن ظنّ باللّه بسبب صدق توبتهم إلى بارئهم، واستغفارهم، وعزمهم على أن لا يعودوا إلى ارتكاب مثل الذنب الذي عاقبهم اللّه عليه.
إنّا إلى ربّنا راغبون: أي: إنّا إلى ربّنا مبتهلون متضرّعون طالبون.
يقال لغة: رغب إليه، أي: ابتهل وتضرّع وطلب، ورغب إليه في كذا، أي: سأله إيّاه.
إنّ المؤمنين الّذين يشتركون في إثم كبير يكون حالهم قبل ارتكابه متردّدا بين الرّغب والرّهب، بين الإقدام والإحجام، وفي موجة الإحجام العارضة الّتي يتعرّض لها كلّ منهم تصدر عنه كلمات تشعر بخوفه من ارتكاب المعصية،