معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 412
قال اللّه عزّ وجلّ:
[سورة القمر (54) : الآيات 43 إلى 46]
أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (46)
تمهيد:
بعد أن جاء في السّورة عرض أمثلة خمسة من المكذّبين بالنّذر، من كفّار القرون الأولى، وكيف أهلكهم اللّه جلّت قدرته وعظم سلطانه، إهلاكا شاملا، بعدله وحكمته، فحقّق فيهم نذره الّتي بلّغهم إيّاها رسله، وأنزل بهم ما كانوا به يكذّبون، وفي هذا العرض بيان للّذين كذّبوا بالنّذر الّتي أنذرهم بها رسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي مقدّمتهم كبراء قريش، بأنّهم إذا أصرّوا على موقف التكذيب الّذي اختاروه لأنفسهم، جعلوا أنفسهم عرضة لأن يجري اللّه فيهم سنّته الّتي سبق أن أجراها في أمثالهم من أهل القرون الأولى، فسنّة اللّه في عباده واحدة، وبهذا المفهوم يكون الخطاب موجّها بالقصد الأوّل للمكذّبين بنذر الرسول إبّان تنزيل سورة (القمر) ثمّ لكلّ من يكذّب من بعدهم حتّى انتهاء مدّة امتحان الناس في الأرض.
* أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) ؟!.
سؤالان يوجّههما الرّبّ جلّت قدرته وعظم سلطانه للمكذبين المعاصرين للتنزيل، فمن بعدهم.
وهذان السّؤالان مبنيّان على قاعدة أساسيّة: هي أنّ سنّة اللّه في عباده واحدة، إذ كلّهم خلقه وصنعته وعبيده، وكلّ الممتحنين من خلقه في الحياة الدنيا على سواء، يخضعون لسنّة ربّانيّة واحدة، فلا فضل لفريق منهم على فريق آخر بعنصر، أولون، أو لغة، أو أرض، أو مساكن ومنازل، أو أعراق