معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 628
"و قل هو اللّه أحد تعدل ثلث القرآن، وقل يا أيّها الكافرون تعدل ربع القرآن".
تعالج هذه السورة تخليص المجتمعات الجاهليّة، من قبيحة خطيرة من القبائح الّتي كانت شائعة في البيئة العربيّة الجاهليّة، بين قبائلهم الّتي يجمعها جدّ واحد، ولغة عربيّة واحدة، وكانت شائعة عند غير العرب، وهي قبيحة غزو النّاس بعضهم لبعض للسّلب والنّهب والسّطو على الأموال عدوانا وظلما، وهم يتفاخرون بذلك، ويجدونه حقّا مشروعا للأقوياء على الضّعفاء، ويستخدمون فيه إحدى نعم اللّه على النّاس، وهي نعمة الخيل المهيّأة بالتّدبير الرّبّاني تهيئة ملائمة بعناية فائقة للقتال في سبيل اللّه، وإعلاء كلمته، وإقامة الحقّ والعدل.
ولكنّ النّاس يستخدمونها بجحودهم وكنودهم لربّهم، وبحبّهم الشّديد للحصول على الأموال الّتي لا حقّ لهم بها، في البغي والطّغيان، والظّلم والعدوان، وهم يفاخرون بممارسة هذه القبيحة، ويتواضعون على قلب مفهومات الحقّ والعدل، والبغي والظّلم، فيجعلون الباطل حقّا، والظّلم والعدوان بطولة ومجدا وشرفا، غافلين عن سلطان الرّبّ الجليل، الّذي سوف يحاسبهم على أعمالهم يوم الدّين، وسوف يجازيهم عليها، ويقيم بين النّاس العدل، فيقتصّ من الظالمين الباغين المعتدين، ويحاسبهم ويجازيهم على كفرهم وكنودهم، وجحودهم حقّ بارئهم عليهم في الإيمان والإسلام وفعل الصالحات واجتناب السّيّئات، على مقدار استطاعاتهم.