فهرس الكتاب

الصفحة 985 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 294

ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟! أي: أيّة ليلة عظيمة الشأن، جليلة الخطر ليلة القدر؟! استفهام يراد به التعجيب من عظمة ليلة القدر، وهذه الجملة مؤلفة من مبتدأ هو"ما"الاستفهاميّة التعجيبيّة، وخبر هو"لَيْلَةُ الْقَدْرِ".

وجملة ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟! في محلّ نصب، سدّت مسدّ مفعولين، والتقدير: وما أدراك معلما إيّاك عظمة ليلة القدر.

وهذا الاستفهام في وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) ؟! ونظيره يتضمّن معنى نفي علم المخاطب بما هو مسؤول عنه. أي: أنت لا تدري مهما انطلقت سابحا في التصوّر مبلغ مكانة هذه اللّيلة العظيمة، إلّا إذا أعلمناك بذلك، وفي هذا دلالة كافية على أنّها ليلة عظيمة جدا.

قال المفسّرون في تفسير: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) ؟!! وأمثاله، أي: لم تبلغ درايتك غاية فضل هذه اللّيلة، ومنتهى علوّ قدرها، وعظم شأنها.

أقول:

لقد تكرّر في القرآن الكريم مثل هذا الاستعمال، حتّى صار معلوما أنّه أسلوب من أساليب التعظيم والتكبير والتّهويل والتّعجيب.

ولدى التحليل التدبّري يظهر لنا أنّه صيغة من صيغ التعجيب القرآنيّة المبتكرة، ضمن أصول اللّسان العربي.

أي: أعظم بهذا الأمر إعظاما لا يصل إليه مدى إدراكك.

وهذه العبارة أبلغ من عبارتي التعجّب والتّعجيب المستعملتين عند العرب، وهما:"ما أعظمه"و"أعظم به"، فهاتان العبارتان لا تدلّان على عدم قدرة المخاطب على إدراك حقيقة الشّيء الّذي يعظّم له، وأنّ مدراكه لا تصل إلى الإحاطة به، بخلاف الصّيغة القرآنيّة المبتكرة في التعجيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت