معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 14، ص: 455
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (43) :
أي: وبعد مدّة متراخية من الزّمن الّذي أهلكنا به عادا قوم"هود عليه السّلام"أنشأنا قرونا متعدّدين آخرين.
القرن: هو من الناس أهل زمان واحد، وكلّ قوم رسول عاشوا في زمانه هم قرنه.
وأرسلنا إلى هذه القرون رسلا، فكذّبوهم، وكفروا بما جاءوهم به وحيا من لدنّا، فاستحقّوا الإهلاك كما أهلكنا عادا، فأهلكناهم، أشار إلى هذا قول اللّه تعالى: ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (5) .
هذا الاستعمال جاء في الآية (5) من سورة (الحجر/ 54 نزول) بعد قوله تعالى فيها: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (4) .
وسائر نظائره جاءت في معرض إهلاك مستحقّي الإهلاك من أقوام الرّسل عليهم السّلام.
والمعنى: لكلّ أمّة كافرة قدّر اللّه وقضى إهلاكها بكفرها، وتكذيبها رسل ربّها؛ لا بدّ أن يهلكها في الوقت الّذي قدّره لإهلاكها، دون تقديم أو سبق، ولا تأخير.
استأخر: طلب تأخير ما حلّ أجله.
قول اللّه تعالى بضمير المتكلّم العظيم:
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (44) :
تترا وتترى: يقال لغة:"جاءوا تترا، وجاءوا تترى"أي: متواترين، وأصله من"وتر"، والتتابع يقصد به تتابع مع فاصل زمني بين كلّ واحد مّنهم وآخر.