فهرس الكتاب

الصفحة 1124 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 437

لِإِيلافِ قُرَيْشٍ: سبق أن عرفنا ما هو الإيلاف مصطلحا تجاريّا عند العرب، ومعنى لغويّا.

فالمصطلح التجاريّ: يدلّ على العقد والعهد الذي يتمّ به تأمين قوافل التّجّار والسّلع التجارية، الّتي تمرّ وتتنقّل في أراضي وبلدان الذين تمّ معهم التّعاقد.

والمعنى اللّغوي: يدلّ على محبّة الشيء، واعتياده وملازمته والأنس به، فالإيلاف مصدر كالإلف، وكذلك الإلاف، كما سبق بيانه.

وقد بدأت السّورة ببيان علّة التكليف قبل توجيه الأمر به، وهذا فنّ بديع مبتكر في الأداء البيانيّ، واقترن بالحديث عن الذين قد وجّه لهم الأمر، بأسلوب الحديث عن الغائب تلطّفا بهم، فاجتمع في النّصّ فنّان أدبيّان جميلان بليغان راقيان رائقان معجبان لمن أحسن تذوّقهما.

فمعنى السّورة بصورة عامّة موجزة هو كما يلي:

لأجل إيلاف قريش التجاريّ، الذي يسّره لهم ربّ الكعبة المشرّفة المطهّرة، بيت اللّه الحرام، من أجل بيته وحرمه الذي جعله آمنا، والّذي تمكّنوا به من محبّة واعتياد وملازمة رحلاتهم التجاريّة، الشتائيّة والصيفيّة، جنوبا وشمالا وشرقا وغربا، والتي يجلبون بها أرزاقهم آمنين، ولأجل حرصهم على عدم زوال نعمتي الرّزق والأمن عنهم، إذا كانوا مؤمنين باللّه حقا، فليعبدوا شاكرين ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، لأنّهم أهل حرمه الآمن المرزوق؛ إذ لم يجعلهم آمنين مرزوقين غيره جلّ جلاله، وعظم سلطانه، وسمت حكمته.

ولمّا تضمّن التّعليل في: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ، معنى الشّرط، اقترن فعل الأمر الذي هو بمثابة جواب الشّرط، بالفاء الّتي يؤتى بها عادة في جواب الشرط، فقال تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت