معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 119
(5) ويستفيد أيضا المؤمنون وعلماء أهل الكتاب من هذا البيان الّذي تحقّقوا به أنّ القرآن منزّل من عند اللّه، أن يأخذوا كلّ ما سيأتي به الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربّه مستقبلا هو حقّ لا ريب فيه، فمتى ثبتت النّبوّة والرّسالة لعبد من عباد اللّه فلا سبيل للتّشكّك والارتياب بها بعد ذلك، لأنّ اللّه عزّ وجلّ لا يسلب المصطفين من عباده للنبوّة والرّسالة ما سبق أن اصطفاهم له، واختصّهم لحمل رسالاته، فالرّبّ حكيم، وحكمته تأبى سلب الاصطفاء للتبليغ عنه، إنه لم يصطفهم لذلك إلّا وهو عالم بهم وعاصمهم.
دلّ على هذه الحكمة قول اللّه عزّ وجلّ في الآية:
وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ....
أي: وحتّى لا يرتاب مستقبلا علماء الّذين أوتوا الكتاب من قبل والمؤمنون بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وبما جاء به عن ربّه في أيّ بلاغ يبلّغه عن ربّه، بل سيأخذونه بالتّسليم المطلق الذي لا يصاحبه ارتياب ولا شكّ، ويتقصر بحثهم على فهم المراد من البيان المنزّل على الرسول.
*** وبعد بيان هذه الحكم الرّبّانيّة الخمس الّتي اشتملت عليها الآية، لا بدّ أن يدرك المتدبّر أنّ أحكام اللّه القضائيّة ستلاحق كلّ صنف من النّاس بما يستحقّ من عدل أو فضل.
أمّا من ضلّ باختياره الحرّ فسيحكم اللّه عليه بالضلالة، ثم يجازيه بحسب ضلاله.
وأمّا من اهتدى باختياره الحرّ فآمن وسمع وأطاع وأسلم، فسيحكم اللّه له بالهداية، ثم يثيبه ثوابا عظيما، بمقتضى واسع منّته على عباده.