فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 497
العقل تستند إلى دلائل الحسّ وأماراته، مع ما لديه من أحكام ومقاييس وموازين فطريّة فطره البارئ عليها.
السبب الخامس: أنّ الآخرة تقع في المستقبل البعيد بحسب تصوّر الناس، مع أنّه في حقيقة الأمر قريب جدّا، ليس بيننا وبينه إلّا عتبة الموت.
أمّا البرزخ الذي بين الموت والبعث إلى الحياة الأخرى، فإنّ الميّت لا يحسّ بزمنه، إذ يلغى من مشاعر الميّت الإحساس بمرور الزّمن، ويبقى لديه الإحساس بمشاعر النّعيم إذا كان من المنعّمين السّعداء، والإحساس بمشاعر العذاب إذا كان من المعذّبين الأشقياء، وذلك في مراكز الشعور التي تبقى له، في خريطة نفسه، مع إشعاع عليها من روحه، أو في روحه، وليس لدينا بشيء من ذلك علم نقدّم به تحديدا واضحا، غير أن النّعيم والعذاب في مدّة البرزخ ثابتان في النّصوص الصحيحة الصريحة، من القرآن والسّنّة.
وإذ يلغى الإحساس بالزّمن من النّفوس والأرواح بعد الموت، فاللّحظة والسّاعة وملايين القرون بالنسبة إلى إحساس الموتى بالزّمن سواء، وحين يبعثون من قبورهم لا يشعرون مشاعر زمنيّة إلّا كما يشعر النائم نومة القيلولة في النهار، يستوي في هذا الشعور من مات من أوّل النّاس، ومن مات عند قيام ساعة الإفناء العامّ.
وهذه قضيّة تدلّ عليها في تجربات الناس حالة النوم، وحالة الإغماء، وحالات التخدير لإجراء العمليّات الجراحيّة، ويدلّ عليها موت العزير، ونوم أهل الكهف.
وقد دلّت عليها بالنسبة إلى عموم الموتى، نصوص متعدّدة من نصوص القرآن المجيد، ومنها ما يلي: