معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 2، ص: 547
وأتبع هذا العرض بتوجيه طائفة من الأدلّة على قانون الجزاء الرّبّاني، في خطّة الخالق الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه، وعلى قدرته على إعادة الموتى إلى الحياة بعد فناء أجسادهم وتفرّقها في تراب الأرض.
وأتبعت هذه الأدلّة بعرض مشهد رهيب من مشاهد يوم الدّين، منتزع ممّا سوف يكون للكافرين المكذّبين بيوم الدين، وأتبع هذا المشهد بعرض مشهد آخر منتزع ممّا سوف يكون من نعيم للمتّقين وللمحسنين، ويفهم من ذلك لزوما أنّه سوف يكون أيضا للأبرار الّذين هم أصحاب المرتبة الوسطى فوق مرتبة المتقين، وتحت مرتبة المحسنين.
ثمّ جاء في السورة توجيه خطاب تهديديّ من الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه، للمكذّبين بيوم الدّين، يخاطبهم فيه بقوله: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) .
أي: وأنتم بسبب كونكم مجرمين تستحقّون الوعيد الشّديد بالمقالة الّتي جاء تكريرها في السّورة عشر مرّات، بفنّيّة بارعة عقب كلّ مفصل من مفاصل موضوعها: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) .
وأخيرا جاء في السّورة بيان أنّ من مظاهر كبر المكذّبين بيوم الدّين على ربّهم، واستنكافهم عن عبادته، في سلوكهم الدائم، أنّهم إذا قيل لهم اركعوا لربّكم لا يركعون، مع أنّه قد سجد له في الوجود كلّ خاضع لسلطانه بالجبر، وسجد له من في السّماوات، وسجد له المؤمنون به في الأرض بإراداتهم طوعا.
ولمّا اشتملت سورة المرسلات على كلّ هذه العناصر التي تخاطب العقول بالدّلائل والبراهين والآيات، وتلامس محوري الخوف والطّمع في عمق النفس الإنسانيّة، وتعرض طائفة من المشاهد المنتزعة من الواقع الذي