معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 3، ص: 120
بيوم الدّين، بسنّة اللّه عزّ وجلّ في الإهلاك الجماعي للأمم الّتي تصل في كفرها وجرائمها وإفسادها في الأرض، إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح وأصحاب الرّس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبّع. وهذا التلويح جزء من العلاج النّفسيّ لهم بالترهيب. واقتضى هذا العلاج استكمالا، بإعطائهم جرعة علاجيّة أخرى في السورة نفسها، بعد فاصل اشتمل على إقناعات فكريّة، وبيانات قدّمت صور لقطات غيبيّة، تتّصل بقانون الجزاء الرّباني، ممّا هو قائم في رحلة الابتلاء، ومما سيأتي بعدها، حتّى البعث والحساب وفصل القضاء وتنفيذ الجزاء من حقائق مستقبليّة.
وجاء هذا الاستكمال لبعض عناصر الترهيب بالإهلال المعجّل في الحياة الدّنيا، مشتملا على تفصيل لبعض ما أجمل في الجرعة العلاجيّة الأولى.
وفي هذا التفصيل جاء بيان كثرة المهلكين من أهل القرون الأولى، وبيان أنّهم أشدّ بطشا من المكذّبين المعاصرين لتنزيل القرآن، وبيان أنّ في عرض قصص المهلكين الأوّلين لذكرى لمن كان له قلب، أو ألقى السّمع وهو شهيد.
ومع غاية استكمال بعض عناصر علاج المكذبين، ففي هذا البيان طمأنة لقلب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وقلوب الّذين آمنوا معه، بأنّ نصر اللّه لرسوله وللمؤمنين قادم لا محالة، كما نصر اللّه المرسلين السابقين والّذين آمنوا معهم، مع أنّ المكذبين الأوّلين كانوا أشدّ من المعاصرين لتنزيل القرآن قوّة وبأسا، حتّى استطاعوا أن ينقّبوا في البلاد بحثا عمّا يطلبون لدنياهم، فهذه الطمأنة عنصر علاجيّ للرّسول وللمؤمنين.
فإلى تدبّر فقرات هذا الدّرس: