معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 240
"أن"تفسيريّة، لأنها جاءت بعد فعل"يتخافتون"الذي فيه معنى القول دون حروفه، والجملة بعدها لا محلّ لها من الإعراب.
أي: صاروا يتحادثون بصوت منخفض، وينهى بعضهم بعضا عن السّماح لأحد من المساكين أن يدخل اليوم عليهم جنّتهم، ليستأثروا لأنفسهم بكلّ ثمرات جنّتهم.
* قول اللّه عزّ وجلّ:
وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) .
عَلى حَرْدٍ يأتي"الحرد"في اللّغة بمعنى:"القصد"يقال لغة: حرده يحرده حردا، إذا قصده. ويأتي"الحرد"بمعنى:"الغضب والحنق"، ويأتي بمعنى:"الانفراد والانعزال".
وأستبعد هنا معنى الغضب والحنق، لأنّهم يعلمون من أنفسهم أنّهم منطلقون ليمنعوا حقّ الفقراء والمساكين، فالنصّ يدلّ على أنّهم عصاة لا كفّار، ومانع الحقّ لا يكون غضوبا حنقا، بل هو بمثابة اللّصّ الخائف المستخفي.
فبقي معنى القصد، ومعنى الانعزال.
أمّا القصد: فهو ملائم لاتّفاقهم على أن لا يدخل جنّتهم اليوم عليهم مسكين، وفائدة ذكره مع أنّه مدلول عليه فيما سبق، تأكيد أنّ قصدهم استمرّ مصاحبا لهم لم يتحوّل ولم يتغيّر حتّى وصلوا إلى جنّتهم.
وأمّا الانعزال: فهو وصف أبان أنّهم استطاعوا أن يقطعوا الطريق إلى جنّتهم دون أن يشعر بهم أحد.
فالمعنى: وساروا طريقهم في الغداة بعد انطلاقهم بسرعة من قريتهم مجمعين على قصدهم الّذي قصدوه، غير مختلفين، وشاعرين بأنّهم قادون