معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 242
عاقبهم اللّه بإهلاك بستانهم، اعترفوا بذنبهم، وضلالهم بارتكاب كبيرة من كبائر الإثم، فقالوا: إنّا لضالّون، مؤكّدين نسبة الضلال إلى سلوكهم ب"إنّ- والجملة الاسمية- واللّام المزحلقة"وهذا منهم مبالغة في الاعتراف بذنبهم لربّهم، وإشعار بأنّهم لا يشكّون في وقوعهم بالإثم الذي استحقوا عليه العقاب.
ويرى بعض المفسّرين أنّ قولهم: إِنَّا لَضَالُّونَ معناه إنّنا ضللنا طريق جنّتنا، وليس هذا مكانها، وهذا المعنى يتلاءم مع قولهم عقبه: بل نحن محرومون، أيّ: معاقبون بالحرمان من كلّ جنّتنا.
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) : أي: بل لسنا مجرّد ضالّين بمعصية اللّه في العزم على منع زكاة ثمرات جنّتنا، بل نحن معاقبون من قبل اللّه بالحرمان من كلّ جنّتنا، إذ أتلفها وأهلكها اللّه عقابا لنا، فالضّال بالمعصية قد لا يعجّل اللّه له العقوبة إمهالا له، ليتوب إلى ربّه، لكنّ اللّه عزّ وجلّ قد عجّل بعقوبتهم فهم معاقبون بالحرمان من كلّ رزقهم، فهم محرومون، وتعجيل العقوبة قد يكون من نعمة اللّه على عبده ليتذكر ويتعظ.
المحروم في اللّغة: ضدّ المرزوق، يقال لواجد رزقه: مرزوق، ويقال للّذي لا يجد رزقه: محروم. والمحروم هو الممنوع من العطاء.
لقد تزاحمت لديهم معاني الحرمان، معنى العقوبة بالحرمان، ومعنى المنع من العطاء، ومعنى كونهم محرومين فقراء غير مرزوقين، فجاء التعبير عنها جميعا بعبارة: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) وهذا من بديع الإيجاز في القرآن.
* قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ (28) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (29) .
قالَ أَوْسَطُهُمْ: أي: قال أعقلهم وأفضلهم وأقربهم إلى الخير، ذكر المفسرون أنهم ثلاثة أخوة، وصاحب هذا القول أعدلهم.
أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: أي: أما حصل منّي أنّي قلت لكم فيما سبق: لا