معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 594
فالّذين عملوا السّيّئات ولو كانت من الكبائر كالكفر باللّه والإشراك به، ثمّ تابوا من بعدها، ولو أبطأت توبتهم، بدلالة حرف العطف"ثمّ"ما داموا في مدّة امتحانهم في الحياة الدّنيا، لم يقفل دونهم باب التوبة، ولم يقتصروا على التوبة السلبيّة كترك عبادة الأوثان، بل قاموا بعمل إيجابيّ صالح، وهو الإيمان الصحيح الخالي من أي شرك، لأنّه الشرط الأساس للنّجاة عند اللّه يوم الدّين، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يغفر لهم برحمته.
دلّ على هذا المطويّ في مثاني الآية، الثناء على اللّه بجملة:
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ:
أي: إنّ ربّك أيّها المخاطب أيّا كنت، إذا اتبعت سيّئتك بحسنة التوبة والإيمان الصحيح، لغفور للّذين سبق أن عملوا السّيّئات، رحيم بهم، كما هو غفور رحيم دواما.
*** قول اللّه تعالى:
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ. (154)
بعد التعليق الرّبّانيّ بشأن الّذين اتّخذوا العجل، أبان اللّه عزّ وجلّ أنّ موسى عليه السّلام هدأ غضبه، فأخذ الألواح من الأرض، وكان قد ألقاها من شدّة غضبه كما سبق بيانه.
* وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ ... (154) :
شبّه اللّه عزّ وجلّ لنا حركة الغضب في نفس موسى بثائر ذي مطالب يطالب بها، ويصيح متحدّثا بها، ومن آثار هذه المطالب الغضبيّة توجيه التلويم والتثريب وعبارات التّذمّر، ومن آثارها تحرّك الجملة العصبيّة للمعاقبة والانتقام: