معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 68
والاستدراج العادل يكون بوضع أشياء في طريق السّالك مما يحبّ ويشتهي، فكلّما تناول ما أمامه منها وجد بعدها أشياء مماثلة يحبّها، أو أكثر منها إغراء، فيتابع في طريقه رغبة في أن ينالها، وهكذا حتّى يجد نفسه قد سقط في الفخّ، ونزل به العقاب وهو لا يعلم أنّ فخّ العقاب منصوب له في مكان ما من طريقه الّذي اختاره لنفسه بإصرار، بعد أن وجّهت له النّصائح والتّحذيرات، بأن لا يسلك هذا الطريق ذا العواقب الوخيمة.
هذا إذا كان الاستدراج في سبل الضلالة، ونظيره يكون في صراط الهداية، ولكنّ اللّه لم يسمّه في القرآن استدراجا، بل هو توفيق ومعونة، وزيادة في الهدى، وتيسير، وحلاوة إيمان يمنحها اللّه عزّ وجلّ للسّالكين المؤمنين على طريق مرضاة ربّهم.
وخصّ اللّه عزّ وجلّ في القرآن الاستدراج بالنّوع الأوّل، للتفريق بين النوعين المتشابهين في الجنس العامّ لوسائلهما.
مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ: أي: من مكان لا يعلمون أنّهم يستدرجون بأشياء وضعت فيه، لتركهم على حرّيّاتهم يتابعون مسيرتهم بمقتضى أهوائهم وشهواتهم، حتّى تدمغهم الإدانة بأوفى وأكمل صورها.
فإذا نزل بهم عقاب اللّه العادل، لم يجدوا عذرا يعتذرون به عند ربّهم، ولا تكون دعواهم حينئذ إلّا أن يقولوا: إنّا كنّا ظالمين، معترفين لربّهم بأنّهم عصوه، وخالفوا أوامره ونواهيه ووصاياه، ولم يعبؤوا بتحذيراته وإنذاراته ظالمين أنفسهم بالاستهانة بحقّ اللّه عليهم.
قول اللّه تعالى:
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) :
يقترن بالاستدراج الذي سبق بيانه وتحليل عناصره، للّذين كذّبوا بآيات اللّه، أن يملي اللّه لهم، أي: أن يرخي لهم الحبل، فتزداد حرّيّة حركتهم في الحياة، وأن يمهلهم ويؤخّرهم بإطالة أعمارهم.