معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 561
تمهيد:
هذا الدّرس يبيّن قصّة نفر من الجنّ استمعوا القرآن من الرسول صلى اللّه عليه وسلم، دون أن يعلم بحضورهم، ولا باستماعهم، ولا بأقوالهم، حتّى أوحى اللّه إليه بذلك، ويشتمل على ذكر أقوالهم بالتفصيل.
ويمكن أن تكون قصّة هؤلاء هي القصّة التي جاء ذكرها في الحديث الأوّل، الذي سبق بيانه، لدى بيان بعض ما جاء في السنة بشأن وفادات وفود من الجنّ إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وهو الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذيّ وغيرهم، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما.
التّدبّر:
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ... (1) :
بدأ اللّه عزّ وجلّ السّورة بخطاب لرسوله يأمره فيه، بأن يخبر عن وفادة نفر من الجنّ لاستماع القرآن منه، دون أن يكون عالما بمقدمهم إليه، واستماعهم القرآن من تلاوته له، وأنّ العلم بمقدمهم إليه واستماعهم القرآن منه، والعلم بما تذاكروا به، وبما نقلوه إلى قومهم دعاة، قضايا أوحى اللّه بها إليه، إذ لم يكن الأمر بالنّسبة إليه إدراكا حسّيّا مباشرا في هذه الحادثة، بل جاءه بشأنها خبر صادق عن اللّه عزّ وجلّ، أوحى اللّه به إليه في القرآن يتلى، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وفي توجيه الأمر من اللّه لرسوله بكلمة قُلْ تكليف إلزامي له بأن يحدّث بما أمره اللّه به أن يقوله، حتّى آخر الأقوال الّتي قالها هؤلاء النّفر من الجنّ، الّتي جاء بيانها في السّورة.
فإذا استحضرنا أنّ اللّه عزّ وجلّ قد كلّفه أن يبلّغ كلّ القرآن، أدركنا أنّ تكليفه أن يقول: أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ .. وحتى آخر