معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 563
رسالته تزيد على تسع سنين، كما تدلّ أحداث السّيرة المحمّديّة، وقد نزلت عليه أربعون سورة دون أن يكون له اتصال بالجنّ، وأعلمه اللّه في سورة (الجنّ/ 40 نزول) بأنّ نفرا منهم استمعوا القرآن منه وهو يتلوه، فقالوا ما حكى اللّه عنهم في هذه السورة.
ثم أعلمه في سورة (الأحقاف/ 66 نزول) بأنّه صرف نفرا من الجن عمّا كانوا فيه، وبعثهم إليه، ليتبلّغوا الدّين، ويرجعوا إلى أقوامهم مبلّغين دعاة ومعلّمين فمنذرين، وكان هذا في الثّلث الأخير من المرحلة المكيّة.
القضية الثالثة: إعلام اللّه الناس عن طريق تكليف رسوله، بأنّ الجنّ مخلوقون في ظروف الحياة الدّنيا للابتلاء، كما أنّ الإنس مخلقون في ظروف الحياة الدّنيا أيضا لهذه الحكمة، وأنّ الدار الآخرة لهما هي دار الحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، وأنّ الجنّ مكلّفون أن يستمعوا آيات اللّه المنزّلات، ليعلموا ما هو مطلوب منهم في رحلة ابتلائهم كالإنس.
ولهذا جاء نفر من أشرافهم لاستماع القرآن، وليقوموا بتبليغ أقوامهم هذا الدّين الّذي ختم اللّه به رسالاته لأهل الأرض.
وما جاء في سورة (الأحقاف/ 46 مصحف/ 66 نزول) تضمّن أنّ اللّه عزّ وجلّ اصطفى نفرا مختارين من الجنّ فصرفهم عن اتجاهاتهم وأعمالهم السّابقات الّتي كانوا مشتغلين بها، وأرسلهم إلى الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلم، بوسيلة لم يذكرها اللّه لنا، ليتبلّغوا القرآن منه، وليرجعوا إلى أقوامهم مبلّغين دين اللّه الخاتم، الّذي أنزله إلى الإنس والجنّ، ومنذرين بعذاب اللّه من لم يستجب من الجنّ لدعوة هذا الدّين العامّ الشّامل الذي اصطفى اللّه عزّ وجلّ لتبليغه خاتم الأنبياء والمرسلين من الإنس، وهو أفضل رسل اللّه وأنبيائه أجمعين.