فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 363
أي: إنّ التّوجّه لبيت المقدس أو للكعبة إنّما الغرض منه طاعة أمر اللّه عزّ وجلّ، وهذه الطّاعة أثر في السّلوك من آثار الإيمان، وهذا التوجّه الإيمانيّ الملتزم بأمر اللّه يستحيل عقلا أن يضيّعه اللّه أو يلغيه، فاللّه جلّ جلاله عليم حكيم.
إنّ المشرق والمغرب وسائر الجهات كلّها هي للّه عزّ وجلّ، وليس شيء منها لغيره، حتّى يكون تغيير القبلة تغييرا للمعبود، فإذا أمر اللّه عباده بالتوجّه للمشرق فإنّهم يتوجّهون له، طاعة لأمر اللّه، ثمّ إذا أمرهم بالتوجّه للمغرب فإنّهم يتوجّهون أيضا له طاعة للّه، وامتثالا لأمره، والتوجّه في كلتا الحالتين إنّما هو تعبير عن صدق الإيمان في قلوبهم، وصدق الإيمان هذا لا يمكن عقلا أن يضيّعه اللّه سبحانه، إذ هو طاعة منهم لأوامره، وأثر من آثار الإيمان في قلوبهم.
ومن حكمة اللّه في هذا التغيير في الأوامر الرّبّانيّة حول قضيّة واحدة تدريب المؤمنين على عدم ارتباط قلوبهم بالأشياء، وتجريدهم من كلّ تعلّق إلّا التعلّق به سبحانه، والتّعلّق بطاعته في أوامره ونواهيه دواما مهما غيّر فيها وبدّل.
هذا هو الصراط المستقيم في أحكام العبادات، فمن أدركه والتزم به إيمانا وعملا، وعزم على طاعة اللّه مطلقا دون النظر إلى عين المأمور به، أو الحكمة منه هداه اللّه بالتوفيق والمعونة إلى متابعة سلوك صراط مستقيم يحقّق به رضوان ربّه عليه، وهذه الهداية إنّما يجريها اللّه بمشيئته الحكيمة الّتي لا توجد قوّة من غير ذاته سبحانه تلزمها بشيء، لكنّ اللّه عزّ وجلّ يشاء الأمر الحكيم بمقتضى كماله المطلق في ذاته وفي صفاته.
* وجاء في سورة (البقرة) أيضا قول اللّه عزّ وجلّ فيها:
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ