فهرس الكتاب

الصفحة 3761 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 221

أصل معنى"النّسيان"في اللّغة التّرك، ومن التّرك المتعمّد الإهمال.

وقد علّم اللّه عزّ وجلّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم فكلّ داع إلى اللّه من أمّته، كيف يجيب على سؤال هذا السّائل المتعجّب المستنكر، بجواب حكيم هادئ، منطقيّ بارد، لا عنف فيه ولا انفعال، فقال تبارك وتعالى:

قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) :

أَنْشَأَها: الإنشاء: الإحداث المصحوب بالتّكامل المتدرّج.

أي: إنّ الذي أنشأ العظام في المرّة الأولى، وكساها لحما، وصوّر الإنسان في رحم أمّه بأحسن صورة، ونفخ فيه الرّوح فكان حيّا، هو نفسه جلّ جلاله وعظم سلطانه وقدرته- القدير على إنشائها وإحيائا بعد الموت والفناء، مرّة ثانية وثالثة، ثمّ إلى ما لا نهاية له من مرّات، لو شاء أن يميتها ويفنيها ثمّ يحييها مرّات وكرّات لا حصر لها، وهذه قضيّة تفهم باللّزوم العقليّ.

وإذا كان الإشكال الّذي أثار في نفس السّائل الشّبهة آتيا من جهة التشكّك في شمول علم اللّه لدقائق الخلق الأوّل، فاللّه الخالق الرّبّ هو بكلّ خلق عليم، أي: مهما كان هذا الخلق دقيقا في ذاته أو في صفاته، وعلمه جلّ جلاله لا يتناقص ولا يتبدّل، إنّه سبحانه لا يضلّ ولا ينسى، وإعادة المخلوق إلى الحياة بعد الفناء تأتي مطابقة تماما لخلقه الأول، لأنّه يخلق عن علم:

وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ: أي: وهو بكلّ خلق يخلقه عليم به قبل أن يخلقه، إذ الخلق مسبوق بقضاء اللّه وقدره، وعليم به حين خلقه على وفق خريطة تكوينه، وعليم به بعد أن خلقه، وعليم بما كان عليه بعد أن أماته وأفناه.

وهذا ينبّهنا على أنّ كلّ دقيقة من دقائق الخلق، بدأ من نواة الذّرّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت