فهرس الكتاب

الصفحة 3773 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 233

الرافض لدعوة الحق الذي يرفع رأسه إلى الأعلى نفيا واستكبارا مشابها لمنظر هذا الأسير المغلول بالغلّ الضيّق العريض.

لكنّ أغلال المعاندين الجاحدين من أهل الكفر أغلال ضاغطة على رقابهم من داخل نفوسهم، فكان ما يرى من ظاهرهم تعبيرا مادّيّا عن الأغلال النفسيّة الّتي جنوا على أنفسهم بتقلّدها، وأجرموا وظلموا، وجعلوا إراداتهم تجرّ بسلاسلها إلى ما هم به مفترون منخدعون، وهم بسببها زادوا كفرا وعنادا، وزادوا إصرارا على الباطل.

المثال الثاني: ما في قول اللّه عزّ وجلّ بشأن الكفرة المكابرين المجرمين الرافضين دعوة الحقّ باختيارهم الحرّ:

وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) .

وهذه الآية تقدّم للمتدبر الأديب البليغ صورة تمثيليّة رائعة، لحالة عدم رؤية الكافرين المكابرين المعاندين للحقّ، وما قام دون بصائرهم من سدود تمنع عنها رؤية الحق بسبب كونهم سجناء شهواتهم وأهوائهم وكبرهم، وحبّهم الاستعلاء في الأرض بغير الحقّ، ورغباتهم في الفجور، ومن ورائها وساوس الشياطين وتسويلاتهم.

وجاء في هذه الصورة تسمية الحجب سدودا، على سبيل الاستعارة، ولم يسمّها اللّه عزّ وجلّ ستورا، أو نحو الستور، لأنّ هذه الحجب تصلّبت وتحجّرت، فهي حريّة بأن تسمّى سدودا، إذ هي بالنسبة إليهم وإلى من هم مثلهم تشبه السّدود المانعة من التسرّب أو العبور.

وقد جعل اللّه عزّ وجلّ في أنظمة النفوس الّتي هي إحدى سننه وقوانينه في كونه، أنّ من جعل نفسه باختياره الحرّ سجين أهوائه وشهواته، إلى سائر الجوامح الأواسر لنفسه من مطالب الحياة الدنيا وزينتها، قامت بين بصيرته وبين الحقّ سدود من بين يديها ومن خلفها، وهذه السّدود تحجب عن بصيرته رؤية الحقّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت