فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 332
إليهم منذرا فقط، ولأنّ حال الكافرين إبّان نزول سورة (الفرقان) التي تناولت بتفصيل عرض مواقفهم التّعنّتيّة تجاه التوحيد، وتجاه القرآن، وتجاه الرسول، إنما يلائمهم معها من الرسالة الإنذار الذي هو آخر المراحل لا البشارة.
يضاف إلى ذلك أنّه يمكن للذّهن أن يقدّر وظيفة البشارة التي ينتفع بها المتقون الذين يؤمنون، والتي جاء بيانها في نصوص أخرى من القرآن المجيد، والتي جاء بيان بعض مضمونها في سورة (الفرقان) نفسها، فكان من الحكمة البيانيّة التركيز في الآية الأولى منها على الإنذار، مع ما سبق بيانه من دلالة اللوازم العقلية على المطويّات في النّص.
ومن استقراء وسبر النصوص القرآنية التي جاء فيها استعمال مادّتي التبشير والإنذار، نلاحظ ما يلي:
(1) -"ثلاثة عشر نصّا"جاء فيها تقديم التبشير على الإنذار، مثل:
"بشيرا ونذيرا- مبشّرا ونذيرا- مبشرين ومنذرين".
(2) -"نصّان"جاء فيهما تقديم الإنذار على البشارة هما:
* قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (هود/ 11 مصحف/ 52 نزول) :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) .
* وقول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) :
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) .
وقد روعي في هذين النّصّين حال أكثر القوم المخاطبين الذين يغلب فيهم الكفرة، مع بيان تخصيص البشارة بالمؤمنين في الثاني منهما.