معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 384
منه، بعد أن اتّهموه قبل ذلك في مرحلة سابقة من مراحل دعوته بأنّه ساحر، وفي هذا تقلّب منهم في المواقف بين الأضداد.
وغرضهم من هذا الاتهام الجديد تحريض المؤمنين على الرّدة عن دينه، والانصراف عن اتّباعهم له، مستثيرين فيهم الأنفة عن اتّباع رجل مسحور مغلوب على أمره، وهو يتوهّم أنه صادق.
القضيّة الرابعة: تطييب قلب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالنسبة إلى اتهاماتهم له، بأنّ أمرهم جدير بأن يتعجّب منه المتعجّبون، نظرا إلى أنّهم ضلّوا في متاهات الأوصاف المتناقضة المتعارضة، فهم في متاهاتهم وضلالاتهم لا يستطيعون أن يجدوا سبيلا حقّا واضحا يسلكونه، لذلك فهم يتنقّلون في ضلالات متناقضات لدى اتّهامهم له، ليوهموا بأقوالهم المتعارضة المتناقضة أنّه ليس نبيّا ولا رسولا، فقال اللّه تعالى:
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) .
أي: انظر متعجّبا من أحوالهم المتقلّبة المحرومة من المنطق السليم، والفكر القويم، إذ يصفونك بالمتناقضات والأضداد التي لا تجتمع.
ومن عجيب البيان القرآنيّ أنّ النصّ لم يأت فيه أنهم مثّلوه وشبّهوه بنحو ساحر ومفتر ومجنون ومسحور، بل قلب النصّ التّشبيه تكريما له، فقال: ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي: حاولوا أن يصنعوا أمثلة لك من عند أنفسهم، يزعمون أنّها تشبهك، كمن يأتي إلى صخرة فينحت فيها صورة مشوّهة لحيوان حقير، ثم يزعم أنّها تمثال مطابق لأكمل أسد عرفه الناس.
إنّ هذا القلب لصورة التشبيه من أبدع الأساليب الأدبيّة، والغرض منه تكريم الرّسول عن حكاية ما فعلوه في تشبيههم له، وجعل ما فعلوه نقصا في اصطناعهم الذي اصطنعوه، فبقي الرسول في قمّته لم يمسّه شيء ممّا اصطنعوه، فوقع تطييب قلبه موقع العلاج الشافي.