معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 593
ولو لا ذلك لكان ينبغي أن يكون التعبير: قالوا: ما الرحمن، بدون حرف العطف.
إنّ الإيمان بربوبيّة اللّه عزّ وجلّ لا يكون تامّا حتى يكون شاملا لكلّ عناصر ربوبيته التي تدلّ عليها صفاته وأسماؤه الحسنى، ومنها اسم اللّه الرحمن الدالّ على رحمته التي وسعت كلّ شيء، كما قال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الأعراف/ 7 مصحف/ 39 نزول) :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) .
ولمّا كان كفّار مكّة يومئذ غير مؤمنين بهذا العنصر من عناصر ربوبيّة اللّه عزّ وجلّ أنكروا اسم اللّه الرّحمن، وإذا قيل لهم اسجدوا للرّحمن قالوا: لا نسجد للرّحمن، وما الرّحمن؟
إنّهم لا يجهلون المعنى الّذي يدلّ عليه لفظ"الرّحمن"المشتقّ من الرّحمة، ولا يجهلون أنّ من يتّصف بالرّحمة العظيمة الواسعة يطلق عليه أنّه الرّحمن الرّحيم.
لكنّهم غير مؤمنين بأنّ اللّه الخالق يتّصف بالرّحمة العظيمة الواسعة، إنّهم يرونه خالقا قويّا عزيزا، أمّا أن يكون مع ذلك رحمانا رحيما فهذا بعيد عن تصوّرهم، بسبب أنّهم يعتقدون أنّ مطالبهم في حياتهم تقضيها لهم آلهتهم الّتي يعبدونها من دون اللّه.
ثمّ لمّا قال لهم الرّسول: اسجدوا للّه الرّحمن الّذي يشملكم برحمته، فيرزقكم ويمدّكم بفيوض عطاءاته لم يقولوا: ومن الرّحمن؟ بل قالوا: وَمَا الرَّحْمنُ.
لأنّ لفظة"ما"يستفهم بها عن أعيان الأشياء، الّتي لا تعقل ولا تعلم، أو عن أجناسها وصفاتها، أو عن أجناس أولي العلم وأنواعهم وصفاتهم، ولا يستفهم بها عن أعيان أولي العلم.