فهرس الكتاب

الصفحة 4676 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 7، ص: 383

في شعر الرأس باشتعال النار على الرأس، وقد استعير فعل:"اشتعل"للدلالة على معنى فعل"انتشر"مع إضافة صورة متخيّلة مأخوذة من لهب النّار.

ويتابع البيانيّون النّحاة بأنّ كلمة: شَيْبًا تمييز محوّل عن فاعل فعل: وَاشْتَعَلَ أي: اشتعل شيب الرأس.

لكنّي أرى أنّ مثل هذا التحليل الّذي ذكره النّحاة، وتبعهم فيه البيانيّون يضعف من قيمة الصّورة البيانيّة البديعة، الّتي تقدّمها عبارة:

وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ونظيرها قول اللّه عزّ وجلّ: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا.

والأكثر ملاءمة فيما أرى لتحليل هذا التعبير الفنّيّ البديع، أن تكون استعارة فعل"اشتعل"وفاعله"الرّأس"تصويرا لصورة يتخيّلها النّاظر إلى الرأس، الّذي أخذ الشّيب ينتشر فيه بسرعة، كما ينتشر لهب النّار في الهشيم، حتّى استوعب كلّ أجزائه.

وكان من المنتظر أن يتمّ صاحب العبارة الصّورة المتخيّلة بقوله:

"لهبا"فتكون العبارة: واشتعل الرأس لهبا.

عندئذ تكون كلمة"لهبا"منصوبة على أنّها نائبة عن مفعول مطلق، وأصل العبارة: اشتعالا لهبا، والغرض بيان نوع الاشتعال.

لكن المتحدّث استدرك فأشعر بأنّ الاشتعال لم يكن من نوع النار، بل كان من نوع الشيب، فقال:"شيبا"وتكون الكلمة نائبة عن مفعول مطلق، أي: واشتعل الرأس اشتعالا من نوع الشيب، وجاء فيها ذكر الشيب قرينة تلائم المستعار له، وهو انتشار الشّيب في الرأس، وبهذا تكون الاستعارة من قسم الاستعارة المجرّدة.

وعلى مثل هذا نقول في عبارة: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت