معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 536
القراءات:
* وقرئ: [يكرمون- يحضّون- يأكلون- يحبّون] بياء الغائبين.
* وقرئ: [تحضّون] كما قرئ: [تحاضّون] وبين هاتين القراءتين تكامل في المعنى، فتحضّون ليس فيه معنى المشاركة في الحضّ، وهذا يناسب حال أصحاب القيادة الفكريّة في مجتمعهم الذين ينصحون العامة، وتحاضّون فيه معنى المشاركة، وهذا يناسب أحوال الناس بشكل عامّ.
وبين القراءتين التي بتاء الخطاب وبياء الغائب تكامل بياني، إذ الخطاب يلائم فريقا من الناس، والحديث عن الغائب يلائم فريقا آخر من الناس، وهم المعرضون والمدبرون.
*** تمهيد:
بعد بيان حكمة اللّه عزّ وجلّ في توسعة الرزق لبعض عباده، وتضييقه على بعض عباده، وهي حكمة الابتلاء، وبعد زجر الّذين يتوهّمون خلاف هذا، لا بدّ أن يدرك ذو التفكير السليم، الذي عرف أنّ الغرض من كلّ منهما الابتلاء، أنّ المطلوب في هذا الابتلاء الرّبّانيّ من الّذين وسّع اللّه لهم في الرزق، أن يبذلوا من أموالهم لرفع البؤس عن الّذين ضيّق اللّه عليهم أرزاقهم، وفي طليعة هؤلاء البؤساء من اليتامى والمساكين.
لكنّ واقع حال الجمهور الأعظم من ذوي اليسار والسّعة، أنّهم قساة القلوب والنفوس، فلا تحرّكهم نحو البؤساء عاطفة نبيلة، فلا يؤدّون ما يحثّهم عليه الواجب الإنساني، وما يأمرهم به التكليف الرّبّاني، من بذل بعض أموالهم لتخفيف البؤس عن البؤساء، والعطف على الضعفاء، بل يزيدون على هذا حبّا شديدا للمال، وشرها للاستزادة منه ولو بالمكاسب الظالمة الآثمة.